محمد أحمد خلف الله
153
الفن القصصي في القرآن الكريم
الشرح والتفسير والذي لا يلزم فيه أن تكون أحداثه من الحقائق فقد يكتفى فيه بالفرضيات والمتخيلات على حد تعبير الأقدمين . ( 3 ) اللون الأسطوري : وهو الذي تبنى فيه القصة على أسطورة من الأساطير والذي يقصد منه في الغالب إلى تحقيق غاية علمية أو تفسير ظاهرة وجودية أو شرح مسألة قد استعصت على العقل . والعنصر الأسطوري في هذه الأقاصيص لا يقصد لذاته وإنما يتخذ كما سنرى بعد لحظات على أنه الوسيلة والأداة . ونستطيع أن نبدأ الآن بذلك اللون الذي يسلم الجميع بوجوده في القرآن الكريم وهو اللون التاريخي . ( 1 ) القصة التاريخية ولن نقف هنا عند طبيعة الأحداث الواردة في هذا اللون من القصص من حيث وقوعها أو عدم الوقوع فلذلك محله في فصل خاص بالمواد القصصية وطبيعتها وموقف القرآن الكريم منها . وإنما سنمضي في هذا الموقف وقد فرضنا أو سلّمنا بأن هذه الأحداث قد وقعت حقا لنرى رأينا في كيفية صياغة القرآن الكريم لهذه الأحداث وتصويره للأشخاص وهل قصد من وراء كل ذلك إلى العظة والعبرة أو إلى الحقيقة والتاريخ ؟ ( 1 ) لنقرأ سويا هذه القصة : قال تعالى كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ « 1 » . ولنفكر فسنرى أن القرآن قد تخلى عن كثير من التفصيلات فلم يذكر عن عاد شيئا قبل التكذيب وحتى عملية الإرسال نفسها قد تجاوز عنها فلم يذكر عن هود شيئا وهو الرسول الذي كذّبه القوم . كما لم يذكر هنا صفة عاد ولم يتحدث عن بيوتها ومساكنها ولم يذكر لنا شيئا مما دار بين هود وقومه من جدل أو حوار . ترك كل هذا وأسرع إلى وصف العذاب . وهنا صوّره صورة أدبية رائعة بألفاظ جزلة تهز العاطفة وتستثير الانفعال وتأخذ مكانها من الأفئدة والألباب فهناك الريح الصرصر وهناك النحس المستمر وهناك قوة
--> ( 1 ) سورة القمر ، الآيات 18 - 21 .